فأيـن شكـــر ذلك ؟
>> الاثنين، 23 يونيو 2008
جاء في الحديث القدسي الذي رواه مسلم أن الله تعالى يوم القيامة يقول- : " يا بن آدم ، حملتك على الخيل والإبل وزوّجتك النساء وجعلتك تربع وترأس ، فأين شكر ذلك ؟ "
فيا من أختارك الله لتكون من عباده الموحدين ..
ويا من منّ الله عليك وجعلك من المسلمين ..
ويا من يجري عليك رزقك وأنت من العاصين ..
ويا من عفاك الله وغيرك من المبتلين ..
ويا من هداك الله وسواك من الضآلين ..
ويا من يأتيه قوت يومه ولست من القانعين ..
ويا من عشت في أمن وأمان وغفلت عن حال الخائفين ..
هلا أعددت للسؤال جواباً ؟
قل لي بربك بما ترد على خالقك وواهبك ورازقك لما يسألك يوم يجمع الناس ليوم الحشر ( أين شكر ذلك ؟ )
قف مع نفسك لحظة وتخيل المشهد وأنظر بما تجيب ، هل سيلجمك لسانك وتقف عاجزاً عن الكلام لما تركت الشكر في الدنيا أم ستجيب عنك جوارحك فتقول العين يا رب انه كان يغض بصره عن كل ما حرمت ليؤدي شكر نعمة البصر وتقول اليد انه ما بطش بي في حرام قط شكراً للنعمة وما استعملني إلا في خير هكذا تشهد جوارحك عنك إما لك أو عليك.
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس : 22 )(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأنعام : 63 )
كم من الأزمات والمدلهمات التي مرت علينا من هموم وديون وكروبات جعلتنا نتضرع إلى الله ونعده أن لو رفع ما وقع علينا من البلاء لنكونن من الشاكرين ... ولكن هل صدقنا ؟!! أم كنا ممن قال فيهم (فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس : 23 ).
أخوتي وأحبتي في الله هذه الكلمات للتذكرة علها تصل إلى قلب قارئها فتجد فيه مكاناً خالياً فتتمكن منه.فان فضل الله علينا عظيم وقليل منا الشاكرين ( إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ) (يونس : 60 )ولقد أمرنا الله عزوجل أن نشكره وقرن الأمر بالعبادة فقال (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر : 66 ) . لذا لزم علينا ألا ندع الشكر أو نغفل عن فضله.ولنعلم أن الزيادة مع الشكر وأن العذاب مع الكفر(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم : 7 ).
فائدة في الفرق بين
الشكر والحمد:
من أجمل ما قيل في الفرق بين الشكر والحمد أن
الحمد هو : شكر اللسان أما الشكر فهو : حمد الجوارح والأركان
والمقصود أن الحمد يكون باللسان بأن يذكر العبد ربه بالمحامد التي يحبها ويكثر من حمده سراً وجهراً عند السراء والضراء، ووقت نزول البلاء ، وفي كل أوقات الدعاء.
أما الشكر فيكون بالجوارح والأركان ، فمثلا من شكر نعمة البصر ألا يطلقه في الحرام وأن ينعم بصره بالنظر للسموات والأرض فيرى عجيب خلق الله ويعتبر أو أن يبارك نظره بالإمعان في كتاب الله ، ولكل جارحة بالمثل من الأعمال ومن شكر الجوارح الإكثار من النوافل في العبادات وفي ذلك روى البخاري في صحيحه عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه ، فقيل له : غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : أفلا أكون عبداً شكورا.
فأحرص أخي المبارك أن تشكر الله على عظيم نعمه عليك ما أدركت منها وما لم تدركه ، وحاسب نفسك في كل يوم هل أديت شكر نعم الله عليك؟ هذا وما كان في قولي من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان ، وما كان من توفيق فمن الله الكريم الرحمن ، وأصلي وأسلم على خير الأنام ، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه الكرام ، والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
.. إتبــاع المنهـــج ..
>> الأحد، 15 يونيو 2008
إتبـــاع المنهـــج
يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ )) [الصف : 14]
أرشدنا الله تبارك وتعالى في هذه الآية إلى الوسيلة الوحيدة التي بها يُنصر دين الله والتي بدونها ما تحقق نصر حقيقي أبداً وكل ما يتوهم للعيان من انه نصراً بغير هذه الوسيلة فهو سراب .
وتتبين هذه الوسيلة من قول نبي الله عيسى عليه السلام للحواريين ( من أنصاري إلى الله )
قال العلماء لو أنه اكتفى في السؤال بقول "من أنصار الله ؟" لأدعى كل أحداً أنه نصير لدين الله ، وأنه يعمل لأجل الدين ويهدف لمصلحته ، كما في عصرنا الحالي لما كثُرت الجماعات والفرق والطوائف والأحزاب فلو سئلوا جميعاً من أنصار الله لأدعى كل منهم أنه نصير لله بالرغم من اختلاف المنهج والتوجه في كثير من الأحيان.
ولكن ليس الأمر بالإدعاء وإنما بتحقيق الشرط السماوي المطلوب والذي ظهر لنا جلياً من الياء المضافة في كلمة ( أنصاري ) حيث أن نبي الله عيسى أضافهم إليه ليقول لهم أن من يريد أو يدعي نصرة دين الله فلابد أن يكون على منهجي باعتباري النبي المرسل لكم من الله تعالى والذي آتاني الكتاب والرسالة وأمرني بها.
لذا نقول هنا وهنا فقط تكون نصرة دين الله ، على منهج كتاب الله وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام وكل من خالف ذلك ثم ادعى نصراً فهو مردود عليه وهدفه إعلاء راية طائفته أو حزبه لا إعلاء كلمة الله ، فكلمة الله لا تُعلى إلا بمنهجه وإتباع رسوله عليه صلوات الله والتسليم.
إذن إن كان يؤلمنا حال الأمة الإسلامية وانكساراتها في كثير من البلدان والتشتت الحاصل في البلد الواحد ونريد أن يتغير الحال وتكون لنا الغلبة فلن يحدث هذا إلا بنصر الله لنا (( إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ))[آل عمران : 160]
ولكي ننال نصر الله فلا سبيل لذلك ألا أن ننصر دين الله كما أخبرنا تبارك وتعالى حيث قال (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) [محمد : 7]
ولن تكون النصرة لدين الله إلا بإتباع المنهج.
هذا والله أعلى وأعلم
فــائــدة
( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ )
قال العلماء العلة في إجابة الحواريين سؤال نبي الله عيسى عليه السلام بقولهم ( نحن أنصار الله ) بدلاً من قولهم نحن أنصارك إلى الله هي أنهم أردوا أن يطمئنوه أنهم سينصرون دين الله دائماً وأبداً في وجوده معهم وبعد رحيله أو موته أي أن النصرة لن تتعلق بوجوده معهم بل بالأصل وهو دين الله.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينصرون دين الله على منهجه وكما يحب ويرضى.
الدُرر والتُحف من أقوال السلف
>> السبت، 31 مايو 2008

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام المطهرين والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين ... أما بعد
إن من أعظم خصائص النبي الأمين قوله صلى الله عليه وسلم ( أوتيت جوامع الكلم ) وهي واحد من الخمس التي تفرد بها النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأنبياء فما هي إلا كلمات قليلة ينطق بها الفم الطاهر فتخرج منها الأحكام والفوائد وتبنى عليها الفتاوى وتؤلف في شرحها المجلدات والله أكبر ولله الحمد ، ولما كان العلماء هم ورثة الأنبياء وكان ميراثهم العلم لذا تجد أن الربانيين منهم الراسخين أجرى الله الحق على ألسنتهم وساروا على نفس المنوال ، يتكلم الواحد منهم بالكلمات القلائل فيها من الحكم والعظات والفائدة ما الله به عليم.
أخوتي وأحبتي في الله بين أيديكم بعض من درر الكلام لعلماء السلف الكرام فيها الحِكم والأحكام لطلاب العلم والعوام ، تدبروها جيداً وافتحوا لها القلوب والأفهام.
- إذا ذاق القلب طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ، ولا ألذ ولا أطيب. " بن تيميه "
- جمع العلماء على أن قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) قد جمعت الطب كله . " الإمام القرطبي "
- من وجد في نفسه قوة على الفهم والتحرير فتشاغله بذلك أولى من تشاغله في أمور العبادات النافلة ومن وجد في نفسه قصوراً عن الفهم العميق وحمل العلم وتعليمه فإقباله على العبادة أولى وكل شخص أدرى بنفسه. " بن حجر "
- إذا أنت أسديت إلى إنسان جميلاً فحاذر أن تذكره ، وإذا أسدى إليك إنسان جميلاً فحاذر أن تنساه. " بن المقفع "
- المؤمن الحازم يثبت للعظائم ولا يتغير فؤاده ولا ينطق بالشكوى لسانه ، وكتمان المصائب والأوجاع من شيم النبلاء ، وما هلك الهالكون إلا من نفاد الجلد. " بن القيم "
- قال مكحول الشامي : أربع من كن فيه كن له : الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار ... وثلاث من كن فيه كن عليه : المكر والبغي والنكث.
- قال عمر بن عبدالعزيز : (القلوب أوعية السرائر ، والشفاه أقفالها والأسئلة مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره).
- قال الشافعي : من تعلم القرءان عظمت قيمته ، ومن تعلم الفقه نبل مقداره ، ومن تعلم الحديث قويت حجته ، ومن تعلم الحساب جزل رأيه ، ومن تعلم اللغة رق طبعه ، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
- قال لقمان الحكيم : ثلاث من كن فيه فقد أستكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
- قال بن عباس: ما من مؤمن ولا فاجر إلا وقد كتب الله تعالى رزقه من الحلال ، فإن صبر حتى يأتيه أتاه الله ، وإن جزع فتناول شيئاً من الحرام نقصه الله من رزقه الحلال.
- قال الحسن البصري : أربع من كن فيه فقد عصمه الله من الشيطان وحرم عليه النار ، من يملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب.
- سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته. " بن القيم "
- قال بن مسعود : من جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً ، ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وإن كان حبيباً قريباً.
- الإسناد سلاح المؤمن ، فإن لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل. " سفيان الثوري "
- من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال. " بن رجب "
- طلب العلم شديد ، وحفظه أشد من طلبه ، والعمل به أشد من حفظه. " الإمام الذهبي "
- تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل. " بن أبي العز "
- قال عمر بن عبدالعزيز : لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ، ويخالفه إذا خالف هواه ، فإذا أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق ، وتعاقب على ما تركته منه.
- أعمل لله فأنه أنفع لك من العمل لنفسك. " الصوري "
- لا تكن ولياً لله في العلانية وعدوه في السر. " بلال بن سعد "
- قال وهيب بن الورد : إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فأفعل.
- قال ابن الجوزي : ( تاملتُ وقوع المعاصي من العصاة ، فوجدتهم لا يقصدون العصيان وإنما يقصدون موافقة هواهم ، فوقع العصيان تبعا . فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة ؛ فإذا به ملاحظتهم لكرم الخالق ، وفضله الزاخر . ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ، ما انبسطت كفٌ بمخالفته ).
- قال الشافعي : " وددت أن الناس تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إليَّ منهُ شيء "
- قال عمر بن الخطاب: ( إن قوماً أصلح الله قلوبهم. أحيوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بتركه(
- ( والبدعة مقرونة بالفرقة كما أن السنة مقرونة بالجماعة ، فيقال أهل السنة والجماعة كما يقال أهل البدعة والفرقة ) " بن تيميه "
- كان محمد بن يوسف يقول ( وأين مثل الأخ الصالح ؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون مما خلفت وهو منفرد بحزنك ، مهتم مما قدمت وما صرت إليه ، يدعو لك في ظلمات الليل وأنت تحت أطباق الثرى )
- قال الحسن رضي الله عنه ( ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت من مقامي حتى أنظر أعلى طاعة أم على معصية ؟ فإن كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت )
- قالت أم سفيان الثوري لسفيان : يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فأنظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك ؟ فإن لم ترى ذلك فأعلم أنها تضرك ولا تنفعك.
- قال داوود الطائي : ( ما أخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا بشر )
- سئل الشافعي رحمه الله كيف طلبك للعلم ؟ قال " طلب الأم المضلة ولدها لا تملك غيره ".
وللموضوع بقية بإذن الله...
فوائد من كتاب تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد .
>> الخميس، 15 مايو 2008
آيـــــات وخـــواطر
>> الأربعاء، 7 مايو 2008
" وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) " - القصص -
1 :- (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وفيه دليل على أهمية عمل الرجل وتحصيل رزقه بنفسه له ولأهله ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم " إن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ".
2 :- ( وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ) وفيه دليل على ضرورة مساعدة الضعيف وتقديم يد العون له ونصرته فأن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام وبالرغم من طول سفره وعلى ما به من تعب وعطش إلا أنه قدم مساعدة المرأتين على نفسه لما رأى ما بهما من ضعف .
3 :- ( قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء ) وفيه دليل على عدم جواز الاختلاط وعلى ضرورة حرص المرأة إذا اضطرت للخروج من بيتها ألا تختلط بالرجال وتزاحمهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الرجال بالمكوث في المسجد حتى تخرج النساء ، كما كان يأمر النساء أن يمشين على حواف الطرق وليس في وسطها وكل ذلك لكي لا يحدث تزاحم واختلاط بين الرجال والنساء ومن المعلوم قدر الشرور التي تنتج من الاختلاط.
4 :- ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) وفيه دليل على جواز خروج المرأة للعمل في حالة عدم وجود عائل أو عدم استطاعة العائل عن العمل لمرض أو نحوه على أن تأتي المرأة بالضوابط الشرعية والشروط التي اشترطها علمائنا لخروج المرأة للعمل.
5 :- ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) دعاء مستحب لكل مسلم عامة ولمن يبتغي النكاح خاصة وذلك لما فيه من إظهار الفقر لله سبحانه وتعالى الغني الحميد وسماه العلماء دعاء النكاح وذلك لأن الله سرعان ما استجاب لنبيه موسى بـ( فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا ) والفاء هنا للترتيب فهذه الاستجابة ترتبت على الدعاء كما تفيد السرعة .
6 :- (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا ) وفيه دليل على عدم خروج المرأة من بيتها إلا لحاجة أي عند الضرورة ، فلما خرجتا للسُقيا استلزم الأمر خروج المرأتان معاً ومعهما العذر في ذلك (وأبونا شيخ كبير) ، ولكن لما كان الخروج لدعوة نبي الله موسى للقاء الأب فلا يستلزم ذلك خروج إلا واحدة منهما فقط.
7 :- ( تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء ) تعبير قرأني بليغ وصف شدة حياءها أحسن الوصف ، فكأنما الحياء ماءا يتقطر منها حتى ملئ الأرض من حولها فهي تمشي عليه ، وفيه إرشاد للمرأة المسلمة عند خروجها من بيتها ومشيها في الطرقات أن يكون حياءها طريقها.
8 :- ( قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) وفيه أن المرأة إذا تكلمت مع رجل أجنبي عنها فيجب عليها أن يكون الكلام قدر الحاجة من غير زيادة ومن غير خضوع في الكلام أو في الصوت،" فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ" وتجد من عفة ابنة الرجل الصالح أنها بدأت كلامها بكلمة أبي لتنفي أي شبهة أو ريب أنها هي التي تدعو كما أنها بينت سبب الدعوة.
9 :- ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ) وفيه ضرورة الحرص على جزاء من أحسن إلينا ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تروا أنكم كافئتموه ".
10 :- ( فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ) وفيه دليل على اختصار الرجل في الحديث عند الكلام مع الأجنبية والإسهاب مع الرجال ، فلما كلم موسى عليه الصلاة والسلام المرأتين قال ( ما خطبكما ) كلام مختصر جداً ، عكس ما فعله عند أبيهما الذي قص عليه القصص.
11 :- ( قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وفيه دليل على نصرة من أوذي في الله ومساعدته وتمكينه والشد من أزره ليتكمن من مواصلة طريقه لخدمة ونصرة دين الله الحق.
12 :- ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) وفيه بيان على حرص المرأة أن تكون في بيتها وأن يقوم بالعمل من هو أهلا له ، وهذه طبيعة المرأة (وقرنّ في بيوتكنّ) " وبيوتهنّ خير لهنّ " ، فكانت المرأة الصالحة تمشي تبعاً لفطرتها السليمة في رغبتها لعدم الخروج ومزاحمة الرجل على العكس مما نراه الآن من حرص كثير من النساء على الخروج من غير حاجة والله المستعان.
13 :- ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) وكأنها تعلم أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام إذا عمل عندهم فليس له أجر إلا أن يتزوج إحداهما ، فكأنها تلمح برغبتها في أن يتزوجها لما رأت من أمانته وقوته ، ومعلوم أن أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها قد أفصحت برغبتها لأحدى النساء أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ ذلك الرسول فقبل وتم الزواج ، وعليه فإذا رأت المرأة الصلاح من رجل في دينه وخلقه فلها أن تلمح برغبتها في الزواج منه لأهلها على ألا يكون ذلك مدعاة لغير الطرق الشرعية قال تعالى َ(ولاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ).
14:- ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) وفيه إرشاد لرب العمل عند اختياره لعامل أن يكون قويا في مجاله وأمين في أحواله وبهاتين الصفتين يتم صلاح العمل ويفسد بانتفاء وجودهما ، ومعلوم أن القوى أنواع أهمها قوة الإيمان والإسلام ، قيل أن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أتخذ كاتباً له نصرانيا فعلم عمر بن الخطاب بذلك فسئله لما ؟ فقال عبدالرحمن بن عوف : لي عمله وعليه دينه ، قال بن الخطاب : أما أنا فوالله لا أعزهم والله أزلهم ولا أدنيهم والله أبعدهم.
15 :- ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ... قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ ) وفيه بيان احترام الإسلام لرأي المرأة ، فمن حقها الإدلاء بالرأي وإن كان سديداً يُعمل به.
16 :- ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ ) وفيه جواز أن يعرض الرجل ابنته أو من هي تحت ولايته لمن يراه صالحاً في الدين والخلق ، بل إن ذلك من السنة كما جاء عند البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرض ابنته حفصة على عثمان بن عفان رضي الله عنه فلم يجبه ثم عرضها على أبي بكر الصديق فلم يجبه حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
17 :- ( إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ) وفيه دليل على جواز تزويج الابنة الصغرى قبل الكبرى ، فلم يثبت من الشرع شيئاً عن ضرورة زواج الكبرى قبل الصغرى كما يفعله بعض الناس في كثير من البلاد بداعي العادات بل الأولى أن التي يأتيها رزقها لا يضّيق عليها بحجة أن الكبرى لم تتزوج بعد.
18 :- ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ) وفيه بيان لصيغة العقد وضرورة أن يتفق الطرفان قبل أن يباشروا العمل على أن يوضح العقد ما يجب على كل طرف أن يقدمه وما يستحقه في المقابل وبيان المدة التي يسري فيها هذا العقد ، قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "وقال " ِإذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ".
19 :- ( فَمِنْ عِندِكَ ) من تأدب الرجل الصالح الذي قيل أنه نبي الله شعيب في تعبيره مع موسى عليه الصلاة والسلام أنه أراد أن يبين لموسى أن لو أتم العشر حجج فهو يتفضل عليه ، أي أن العامل يتفضل على رب العمل وليس العكس وفيه بيان للعلاقة بين رب العمل والعامل وأنها ليست علاقة سيد بعبده وإنما قد تكون متكافئة فكل منهما يتسفيد من الآخر ولكلاً حقوق وواجبات.
20 :- ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ) وفيه بيان لكيفية معاملة العامل بألا تكلفه ما لا يستطيعه وأن ترفق به وترحم ضعفه وحاجته "وهل ترزقون إلا بضعفائكم " وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين لم يقل لي فيها لما فعلت ذلك أو لما لم تفعل ذلك .
21 :- (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) إذا كان رب العمل من الصالحين أعان عامله على فعل الخيرات وترك المنكرات ويسر له إقامة العبادات ، فلا تكون العلاقة دنيوية بحتة وإنما لابد من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر .
22 :- ( قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ) وفيه ألا يأخذ أي طرف من أطراف التعاقد على نفسه وعداً هو لا يدري إن كان سيوفي به أو لا خاصة وان كان غير ملزم به فهو لا يدري ما سيحدث في غده ، وفيه أيضاً ضرورة وجود المرونة بين المتعاقدين وأن يتم بينهما تعديل في الاتفاق إذا كانت هناك حاجة لذلك.
23 :- (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) ما أجمل أن تختم العقود بهذه العبارة ، فإن الله شهيداً على اتفاقهما يسمع ويرى ولكنهما أرادا أن يوكلا الله في هذا الأمر كله فهو وكيل كل شىء ، وذلك مثل قول يعقوب عليه السلام إذ قال لأبنائه لما أرادوا أخذ أخو يوسف الأصغر (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (يوسف : 66 ).
هذا والله أعلم،





